شبكة بوست سوري الإخبارية

الوعي يهاجم الأردنيين والمشهد يتطور

فؤاد البطاينة

يبدو أن هناك قناعات شعبية تتشكل بعزم النظام الأردني على الدخول بالأردن إلى مرحلة اندماج استراتيجي مع الكيان الصهيوني بثبات. وأعتقد أنه من الصعب جداً على الأردنيين ابتلاعها لأسباب موضوعية.

ويبدو أن النظام على ابواب مواجهة مشكلة صعبة مع الأردنيين، قوامها تآكل الثقة والرفض العام نتيجة تلقيهم ضربات متتالية في السياستين الخارجية والداخلية قضمت اللاءات السياسية التي كانوا يستندون اليها كعامل اطمئنان رئيسي .

ولا يستبعد المراقبون ذوبان فئة المتفائلين بمستقبل آمن وتلاشي فئات المسحجين، بل أتوقع أن يبدأ الكثيرون من عناصر النظام وداعميه إلى التراجع أو الأفول. فتطورات السياسة التي يسير بها النظام مع الكيان الصهيوني شكلت تراكمات يُمكن وصفها بالممنهجة دخلت وعي الأردنيين وعمق ضمائرهم ونالت من ثقتهم بسياسة النظام وأطاحت بالكثير من المحظورات لديهم.

فالساحة تشهد نتيجة انعدام التنظيمات السياسية الضابطة والمرشِّدة للخطاب والفعل السياسيين انفلاتا واسعا في طريقة وطبيعة التعبير عن الرفض لانفلات مقابل من النظام في سياساته.

ولا أعتقد بوصول شعب عربي الى هذه المرحلة من الهيجان والتي يُسقِط فيها الأردنيون المحرمات في تاريخ علاقتهم بمؤسسة العرش.

اتفاقية الطاقة والمياه الأخيرة غير المبررة كغيرها إلا في سياق الهجمة الإسرائيلية على الأرض والسيادة الاردنية والتغلغل الاستيطاني تزامنت مع تعديلات دستورية تحمل الكثير من المعاني الخطيرة جداً والتي لم يتطرق لها المتابعون، سيأتي عليها.

أقول إن هذا التزامن أعاد ذاكرة الأردنيين إلى ربط هذه الاتفاقية والتعديلات الدستورية المزمعة بالإتفاقيات السابقة المؤلمة والتي فُرضت عليهم كاتفاقية الغاز واتفاقية الدفاع مع أمريكا، والتدخلات الخارجية السافرة في طبيعة عمل مؤسسات حساسة كوزارة الأوقاف وتسيير برامجها الثقافة الدينية والتاريخية.

والمتابع الأردني أصبح أيضاً يرى بأن الأردن تحول لساحة مفتوحة ومعمل مختبرات ومحل مشاريع سياسية \ اقتصادية للصهيو أمريكي يقيمها لكي تكون سوابق تُستنسخ في باقي الدول العربية. ولا يخفى على الحاذقين والمحللين الأردنيين كما قرأنا لهم بأن اتفاقية مقايضة الكهرباء بالماء الأخيرة تشكل على سبيل المثال خطورة على مختلف الدول العربية.

فهي في أحد جوانبها تأتي بسابقة فريدة بطبيعتها وخطورتها ترسخ مبدأ شراء الماء أو مقايضته في المنطقة العربية وفي الدول المستهدفة، بمعنى أن أكبر الدول العربية كمصر وسوريا والعراق قد تقطع عنها مياه انهارها وتجبر على فعل ما فعله الأردن كسابقة، وهذا ليس موضوعنا هنا .

نعود للمعنى المُميت في التعديلات الدستورية وأثره على تصفية الدولة والمشهد السياسي الأردني وقناعات الأردنيين المتشكلة، فمن المعلوم لكل أردني بأن هذه التعديلات ومهما تصاعد مجالها واتسع فإنها لا توسع قيد أنملة من جوهر صلاحيات النظام الشاملة التي يمارسها فعليا، فلماذا إذاً هي؟ وما الجديد؟

الجديد هو دسترة وتقنين تلك الصلاحيات الشاملة التي يمارسها بخلاف نصوص وروح الدستور. وهذا يترتب عليه سؤال ًهو الأهم والأخطر يفرض نفسه وهو، لماذا يراد دسترتها وماذا يترتب على ذلك من نتائج؟ أقول ببساطة إن من شأن ذلك أن يقضي على الدستور كله وعلى فكرته ولزوميته في الأردن، حيث يصبح دستور شخص وشخصي لا معنى له ولا يعود كعقد اجتماعي.

ماذا بعد ذلك، فإن هذه التعديلات تفهم بالعقل الباطن الأردني على أن الدستور دخل مرحلة النزع الأخير إيذانا لمرحلة أخرى جديدة هي (لا دستور في مشروع لا دولة) وأكرر لا دولة. فليس هناك دستور في إسرائيل ولا في السلطة الفلسطينية، ولا يجب بالمفهوم الصهيوني أن يكون في الأردن، مما يعزز أن الأردن مقبل على نظام حكم واحد في منطقة وعد بلفور.

فالدستور القادم للأردن هو مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية، فهذا المجلس بالتمام والكمال هو هيكل ومضمون سلطة أوسلو في فلسطين، ويستنسخ سلفا في عمان.

يبدو أن الوعي هاجم الأردنيين. فنشاطهم السياسي في الآونة الأخيرة وتداعيهم للخروج بمختلف شرائحهم للشوارع في مجاميع منتفضة وغاضبة، فيه من الدلالات والمستجدات ما يعطي علامة خطيرة وعلى النظام التقاطها بإيجابية وبالوعي المقابل الذي يستحقه بعيداً عن الحل الأمني الذي سيفشل بكل تبعات هذا الفشل، فالأردنيون من ناحية خرجوا هذه المرة يحاكون وضعاً سياسيا يتماهى مع مشاعر الشعب الفلسطيني في طبيعة قضيته الإحتلالية.

ومن ناحية أخرى هناك شريحتان نوعيتان مستجدتان على الساحة يُشكلان عصب انتفاضة شعبية وعصيان مدني ورأي عام غير منقوص لا تنفع معها ولا تجدي أساليب القمع إلّا بتأجيج الشارع غير المنظم سياسياً وبما يجعل الأردن على مُفترق طرق نخشى أن لا تأتي لصالح طرف بل لصالح المتربصين بهذا البلد الوطن وبالملك نفسه.

وهما شريحة الطلاب، وقيادات الشريحة الإجتماعية الصامتة التي ما عرف عنها سوى المسالمة للنظام ومنح الملك ثقتها في القرى والمضارب والمخيمات، والنظام مطالب الآن بالدوس على كوابح سياسته الخارجية والإلتفات للداخل الأردني.

فالجبهة الداخلية الأردنية تتشكل الآن على قاعدة الخوف على مصير الدولة والوطن والمستقبل من سياسات النظام مع إسرائيل. فهي بيضة القبان في الحركة ما بين اليمين واليسار. والعقلاء يخشون من مصيدة قد يقع النظام فيها إذا ما سمح بمواجهة المشهد الأردني بأساليب العنف بدلاُ من مراجعة السياسات، لأن ما تتوحد عليه الجبهة الأردنية الداخلية هي مفاهيم لا تقابل بدقتها وطبيعتها وعمقها ما تواجهه أي دولة عربية أخرى.

فما يجري من تحالفات مع الصهيوني ومع عبيده الذين لا يملكون سوى المال الأسود وما يتمخض عنه من اتفاقيات استراتيجية مع الكيان الصهيوني فشل النظام في تبريرها بكل المقاييس، إنما هي مع قُطر عربي يعلن ذات لكيان بأنه جزء من أراضي “إسرائيل”.

فالأردنيون يدركون بأن طبيعة العلاقات والاتفاقيات مع العدو الصهيوني قفزت لخطوط تتجاوز التطبيع لتطال الوجود الأردني في الصميم شعباً ووطناً وعقيدة .

فؤاد البطاينة – كاتب وباحث عربي

المقالة تعبر عن رأي كاتبها حصرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم موقع بوست سوري ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك لإغلاق هذه الرسالة اضغط على زر موافق أنا إوافق للمزيد